السيد كمال الحيدري
51
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
تعرّضنا لذلك في أبحاث قرآنية سابقة « 1 » ينبغي مراجعتها لكي تكتمل الصورة ويتّضح الموقف بنحو أفضل فيما يتعلّق بهذا المنهج . إنّ القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه « 2 » ، ولا يوجد اختلاف بين مضامينه أبداً « 3 » ، وأنّه نور وهدىً وتبيان لكلّ شيء ، لا يمكن أن يُتصوّر في حقّه أن يكون مفتقراً إلى الغير في بيانه وتفسيره ، وكيف يُتصوّر ذلك في حقّه وهو مشتمل على الدلالات البيّنة والعلامات الشاخصة على معانيه والكشف عن أُمّهات المعارف الإلهية ؟ ! وهذا التفرّد في اعتماد القرآن في تفسيره لا يلغي عندنا الرجوع إلى المصادر الأُخرى لاسيّما الروايات التفسيرية ، ولكن هذا الرجوع الطولي - أو ما هو أشبه بالطولية - لا يعدو أكثر من أداء الدور الثانوي في العملية التفسيرية ، بمعنى أنّ الرواية تؤدّي دوراً توكيدياً لِما أسّسه الفهم القرآني للقرآن ، وربما تؤدّي الرواية دوراً آخر وهو تعميق الفهم القرآني ، فالرواية كثيراً ما تُلفت النظر التفسيري إلى مراتب معرفية قد يعسر الوصول إليها بدونها . وهذا الدور التوكيدي والتعميقي لا يُخرج الرواية عن دورها المداري ، والمدارية في المقام اصطلاح خاصّ يقع في قبال اصطلاحات أُخرى تمثّل بمجموعها النظريات المعتمدة في القراءة الدليلية للقرآن « 4 » ، وقد وجدنا بأن
--> ( 1 ) انظر : أصول التفسير والتأويل ، للسيد الحيدري : ص 160 . ( 2 ) لقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . فصِّلت : - . ( 3 ) قال تعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً . النساء : 82 . ( 4 ) عادة ما تُساق في المقام نظريات أربع ، وهي : أ . نظرية محورية القرآن ، ويُراد بها تفسير القرآن بالقرآن دون الرجوع إلى أمر آخر ، وأصحابها هم الذين يُصطلح عليهم ( قرآنيون ) ، ولعلّهم أنفسهم أصحاب شعار : حسبنا كتاب الله . ب . نظرية محورية السنّة ، ويُراد بها تفسير القرآن بالسنّة الشريفة فقط لا غير ، وهؤلاء هم أنفسهم الذين أنكروا حجّية ظواهر القرآن ، وهؤلاء المُسمّون بالأَخباريين - بفتح الهمزة كما هو الصحيح ، وليس بكسرها كما هو المشهور ! - القرآن عندهم مُفسّر للقرآن ولكن شرط أن يكون المفسّر هو المعصوم عليه السلام ، وما عداه ليس أمامه سوى السنّة . ج . نظرية محورية القرآن والسنّة معاً ، ويُراد بها اعتماد القرآن والسنّة الشريفة مصدرين أساسين في العملية التفسيرية ، فالسنّة ليست مؤكّدة ولا مُعمّقة فحسب وإنما هي مصدر تفسيريّ أساسيّ . د . نظرية محورية القرآن ومدارية السنّة ، ويُراد بها ما بيّنه السيد الأُستاذ أعلاه ، وهذه النظرية الرابعة هي النظرية المعتمدة عند السيد الطباطبائي في الميزان ، وفي هذا الكتاب ، وقد ارتأينا الوقوف عند هذه النظريات الأربع بهذا القدر الموجز لدفع ما قد يعتمل في ذهن البعض من إلغاء دور السنّة الشريفة في العملية التفسيرية ، وهو ما نلمحه عند بعض من يلمز كتاب ( تفسير الميزان ) بذلك ، فلا الطباطبائي وما عليه السيد الأُستاذ في هذا الكتاب ( قرآنيَّين ) بحسب الاصطلاح ، ولا هما أَخباريان ، ولا محوريان للقرآن والسنّة الشريفة معاً . .